محمد غازي عرابي

1149

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

قلنا في كتابنا الإنسان الكبير إن المجرمين هم أصحاب الجرم ، بكسر الجيم ، أي الجسم الذي يسكنون ، يدعون أنهم له مالكون ، فليتفكر الإنسان في الجنين يمكث في رحم أمه تسعة أشهر حتى يتم تكوينه ، ويخرج إلى النور ، فليتفكر في هذه الساعة الخفية التي تضبط الوقت ، وتحسب الحساب ، فلا تستعجل ولا تستأخر ، وليتساءل أين مكان هذه الساعة ، وكيف تعمل وإذا لم تكن ثمت ساعة حسية في جسم الجنين ، أو في رحم أمه ، فمن الذي قام بدور الساعة ؟ وكيف قدر الأمر أزلا بأن يكون مكث الجنين في الرحم تسعة أشهر لا عشرة أو ثمانية أو عاما أو عامين ؟ ولماذا تكون مدة الحمل للجنين البشري تسعة أشهر ، ثم تختلف هذه المدة لدى بقية المخلوقات ، فيكون للقط الجنين قدر ، وللكلب قدر ، وللحصان قدر ، ولكل نوع من الطيور قدر . . . ثم ما هي النطفة التي يتكون منها المخلوق ؟ ما هذا الماء الذي حير العلماء فظلت أعناقهم لسره خاضعين ؟ ولكم أكبّت العلماء على هذا الماء فاحصين ، ولكم اكتشفوا من قوانين وأسرار منها قانون الوراثة العظيم . . وكيف ينقل المني صفات الوالدين الفيزيولوجية ، وقيل المعنوية النفسية ، فيكون ابن الأسود أسود ، وابن الأصفر أصفر ، وابن الطويل القامة طويل القامة ، وابن القزم قزما ؟ بل إن الحق سبحانه ليذكر على لسان نوح واصفا الكافرين ونسل الكافرين وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) [ نوح : 26 ، 27 ] ، فأكد سبحانه أن الكافر يلد كافرا أيضا ، والموروثات لا تنتقل إلا بمشيئة اللّه سبحانه ، فليس محتما مثلا أن يكون ابن المريضة مريضا ، ولا ابن الكافر كافرا كما كان حال إبراهيم ، ولا ابن المؤمن مؤمنا كما كان حال نوح وولده ، إذ أن ابن نوح ورث طبع أمه الكافرة لا طبع أبيه . [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 28 إلى 50 ] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 28 ) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 ) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ( 33 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 34 ) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ( 36 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 37 ) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ( 38 ) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ( 39 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 40 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ( 41 ) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 42 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 43 ) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 44 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 45 ) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ( 46 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 47 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ( 48 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 49 ) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 50 ) [ المرسلات : 28 ، 50 ] الإشارة إلى دخان جهنم الذي هو من النار ، والنار العنصر اللطيف الذي خلق منه إبليس والجن أيضا ، وقلنا الجن ما استتر ، فالإشارة إلى الفكر الذي بطن الإنسان ، ووصف بأنه ذو